Omrane

 آخر الأحداث والمستجدات 

بعد 70 عاما.. كوريا تبحث في مكناس عن عائلة محارب مغربي وتمنح حفيدته منحة دراسية

بعد 70 عاما.. كوريا تبحث في مكناس عن عائلة محارب مغربي وتمنح حفيدته منحة دراسية

بعد أكثر من سبعة عقود على نهاية الحرب الكورية، عادت قصة مقاتل مغربي غادر وطنه في منتصف القرن الماضي للمشاركة في حرب بعيدة آلاف الكيلومترات، إلى الواجهة من بوابة مدينة مكناس، لكن هذه المرة بصورة مختلفة تماما؛ إذ تحولت ذاكرة ذلك المقاتل وتضحيته إلى فرصة جديدة لإحدى حفيداته لمتابعة دراستها في جمهورية كوريا.

ففي زيارة حملت أبعادا إنسانية وتاريخية، حل ممثلو مؤسسة سيمجون للتبادل الدولي بمدينة مكناس، للبحث عن أسرة العسري، وهو مغربي خدم ضمن القوات الفرنسية خلال الحرب الكورية وفقد حياته هناك، قبل أن يلتقوا بابنته وعدد من أفراد أسرته، في مشهد أعاد وصل خيط انقطع لأكثر من سبعين عاما.

 

وتأتي هذه الزيارة في إطار مشروع كوري يسعى إلى البحث عن المقاتلين من أصول إفريقية الذين شاركوا في الحرب الكورية، والتعرف على أسرهم وأحفادهم، وتحويل الروابط التي نشأت في ظروف الحرب إلى جسور جديدة للتعليم والتبادل الإنساني، بتعاون مع وزارة الخارجية في جمهورية كوريا ووزارة شؤون الوطنيين والمحاربين القدامى الكورية.

 

وفي مكناس، التقى ممثلو المؤسسة بابنة العسري وعدد من أفراد أسرته، حيث جرى التحقق من الروابط العائلية والاطلاع على المعطيات المرتبطة بمشاركته في الحرب الكورية، قبل الانتقال إلى البحث بين أحفاده عن شباب تتوفر لديهم الرغبة والإمكانية لمواصلة الدراسة في كوريا.

 

وخلال هذه العملية، برزت إحدى حفيدات العسري التي أبدت اهتماما بالدراسة في كوريا، لتخضع لمقابلة رسمية ضمن مسطرة اختيار المستفيدين من المنحة، أجراها جانغ هيون، المدير التنفيذي الدائم لمؤسسة سيمجون للتبادل الدولي.

 

وتناولت المقابلة دوافع الطالبة للدراسة في كوريا، وخطتها الأكاديمية، والتخصص الذي ترغب في متابعته، وطموحاتها المهنية، ومدى استعدادها للعيش والدراسة في الخارج، إلى جانب تصورها للطريقة التي يمكن من خلالها أن تخدم أسرتها ومجتمعها المغربي بعد انتهاء دراستها.

 

وبعد تقييم المقابلة، رأت المؤسسة أن الطالبة تتوفر على الإرادة والقدرات اللازمة، وقررت اختيارها للاستفادة من المنحة، على أن تبدأ بعد ذلك الإجراءات الأكاديمية والإدارية اللازمة للقبول والدراسة في كوريا.

 

ولا تقتصر المنحة على الدعم الدراسي، بل يمكن أن تمتد إلى خمس سنوات، تشمل سنة كاملة لدراسة اللغة الكورية وأربع سنوات من الدراسة الجامعية في مرحلة البكالوريوس أو الإجازة.

 

وبعد استكمال الإجراءات، ستستفيد الطالبة من تذاكر السفر ذهاباً وإياباً بين المغرب وكوريا، إلى جانب تغطية الرسوم الدراسية ومصاريف السكن الجامعي والتأمين الصحي، فضلا عن مخصص شهري قدره 500 ألف وون كوري (3279,86 درهم) ، للمساعدة في تغطية نفقات المعيشة.

 

ويتم تمويل هذا المخصص الشهري من طرف وزارة شؤون الوطنيين والمحاربين القدامى في جمهورية كوريا ومؤسسة إحياء ذكرى الحرب الكورية، بما يوفر للطالبة ظروفا تساعدها على التفرغ لمسارها الدراسي طوال فترة الاستفادة من البرنامج.

 

وتأتي هذه المبادرة امتدادا لتجربة طويلة لمؤسسة سيمجون للتبادل الدولي في مجال دعم الطلبة القادمين من الدول النامية، بعدما أتاحت على مدى 21 عاما فرص الدراسة والتعليم لـ181 طالبا من دول نامية، عبر برامج للمنح والدعم التعليمي.

 

وانطلاقا من هذه التجربة، تعمل المؤسسة حاليا على توسيع برامجها لتشمل أحفاد المشاركين في الحرب الكورية، في محاولة لتحويل الاعتراف بتضحيات جيل سابق إلى فرص تعليمية ملموسة أمام الأجيال الجديدة.

 

لكن زيارة مكناس حملت أيضا جانبا إنسانيا لم يكن مرتبطا بالمنحة الدراسية. فقد تبين أن ابنة العسري تحتاج إلى إجراء فحص طبي بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي، غير أن تكلفته كانت تشكل عبئا ماليا على الأسرة.

 

وبعد الاطلاع على وضعها، تقرر تقديم المساعدة اللازمة لتمكينها من إجراء الفحص، حيث تكفل يون شين-إيل، رئيس مؤسسة سيمجون للتبادل الدولي، شخصيا بتكاليف التصوير بالرنين المغناطيسي من ماله الخاص، وليس من ميزانية المؤسسة، فيما ساعد ممثلوها الأسرة على استكمال الإجراءات الضرورية لإجراء الفحص.

 

وخلال الحرب الكورية، لم تكن القوات المشاركة ضمن قوات الأمم المتحدة مكونة فقط من جنود قادمين من أراضي الدول المشاركة، بل ضمت أيضا عسكريين من المستعمرات والأقاليم التابعة لها آنذاك، ومن بينهم عدد من المغاربة الذين خدموا ضمن القوات الفرنسية.

 

غير أن الكثير من هؤلاء المقاتلين ظلوا مسجلين في الأرشيفات العسكرية أساسا باعتبارهم أفرادا في القوات الفرنسية، بينما بقيت أصولهم الجغرافية وحياتهم العائلية ومسارات أبنائهم وأحفادهم بعيدة عن الضوء.

 

وتسعى مؤسسة سيمجون من خلال مشروعها إلى البحث عن السجلات الفردية لهؤلاء المقاتلين، والتعرف على مناطقهم الأصلية وأسرهم، والالتقاء بأفراد عائلاتهم وأحفادهم وتوثيق قصصهم، قبل فتح المجال أمام من تتوفر لديهم الرغبة والمؤهلات الأكاديمية المناسبة للاستفادة من فرص الدراسة في كوريا.

 

وبالنسبة إلى أسرة العسري، تكتسي هذه الزيارة معنى خاصا، إذ إنه بعد أكثر من سبعين عاما على مغادرة أحد أفرادها المغرب للمشاركة في حرب تقع على بعد آلاف الكيلومترات، جاء ممثلون من كوريا إلى مكناس للقاء ابنته وأحفاده.

 

واليوم، ومع اختيار إحدى حفيداته للاستفادة من منحة دراسية في كوريا، أصبحت تجربة الحرب التي عاشها جيل سابق مرتبطة بفرصة تعليمية ومستقبل جديد لجيل من أحفاده.

 

وبين رحلة الجد التي ارتبطت بالحرب والموت، ورحلة الحفيدة المرتقبة التي ستقودها إلى الجامعة والتعلم، تتغير دلالة العلاقة مع كوريا بالكامل؛ فمن ذاكرة حرب مأساوية قبل أكثر من سبعين عاما، تنشأ اليوم فرصة للتعليم والتبادل وبناء مستقبل جديد.

 

وتعتزم مؤسسة سيمجون مواصلة البحث في المغرب وعدد من الدول الإفريقية الأخرى عن المشاركين في الحرب الكورية وأسرهم، وتوسيع برامج المنح والتعليم وحفظ الذاكرة بالتعاون مع الجهات والمؤسسات المعنية.

 

وتبرز قصة أسرة العسري في مكناس كيف يمكن لصفحة مؤلمة من تاريخ القرن الماضي أن تُفتح من جديد، لا لاستعادة مآسي الحرب، وإنما لتحويل ذاكرة مقاتل مغربي إلى جسر يصل بين الأجيال، وبين المغرب وكوريا، وبين ماضٍ ارتبط بساحة المعركة ومستقبل قد يبدأ هذه المرة من مقاعد الدراسة.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : هيئة التحرير
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2026-08-14 13:26:05

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك